ابراهيم بن عمر البقاعي

272

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

مقول هو ، والسّلام يجمع جميع النعم ، ثم بين حال هذا السّلام بما أظهر من عظمه بقوله : قَوْلًا مِنْ رَبٍّ أي دائم الإحسان رَحِيمٍ * أي عظيم الإكرام بما ترضاه الإلهية ، كما كانوا في الدنيا يفعلون كل ما فيه الرضا ، فيرحمهم في حال السّلام وسماع الكلام بلذة الرؤية مع التقوية عن الدهش والصعق لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام الأكرم مع قصورهم عنه ، وقد أوضح هذا السياق أنه من اللّه تعالى بلا واسطة ، فإنه أكده بالقول وحرف الابتداء ، وذكر صفات الإحسان كما قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : ولا ارتياب في أنه لا شيء يعدل هذا في النعيم وقرة العين والشرف وعلو القدر ، ولا شك أن هذا هو المقصود بالحقيقة ، فهو قلب النعيم في ذلك اليوم الذي هو قلب الوجود حقا خفاء وصلاحا وفسادا ، فصح أن هذه الآية قلب هذه السورة كما كانت هذه السورة قلب القرآن ، وقد ورد حديث في تفسير البغوي وكتاب المائتين للأستاذ أبي عثمان الصابوني أنه من اللّه تعالى بلا واسطة عن جابر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال : السّلام عليكم يا أهل الجنة ، وذلك قوله تعالى سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ فينظر إليهم وينظرون إليه ، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته في ديارهم . قال الأستاذ أبو عثمان : هذا حديث غريب الإسناد والمتن لا أعلم أني كتبته إلا من هذا الوجه . ولما كان التقدير : فانظروا وازدادوا حسرة أيها المجرمون ، عطف عليه قوله : وَامْتازُوا أي انفردوا انفرادا هو بغاية القصد ، وجرى على النمط الماضي من زيادة التهويل لذلك الموقف بإعادة قوله : الْيَوْمَ أي عن عبادي الصالحين أو عمن بقي منهم معكم في الموقف ليظهروا من أوضارهم ، ويشفوا من مضارهم ، لأن غيبة الرقيب أتم النعيم ، وإبعاد العدو أعلى السرور ، وحذف أداة النداء لا لقرب الكرامة بل للدلالة على أنهم في القبضة لا مانع من غاية التصرف فيهم لكل ما يراد لأنه لا حائل دونهم أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أي العريقون في الإجرام ، فلا يقع في أوهامكم أنكم تخالطونهم اليوم أصلا ، وهذا كما كنتم تمتازون عنهم في الدنيا وتقاطعونهم ترفعا واستكبارا ، فهذا قوله للمجرمين وذلك قوله للمؤمنين ، فصح أنه قلب لأنه به صلاح بعض المكلفين وفساد الآخرين الذي هو تمام صلاح الأولين ، وقد تقدم في أوائل سورة الروم منام ينفع استحضاره هنا . ولما أمرهم بالامتياز أمرا إراديا حكميا ، فامتازوا في الحال ، وأسروا الندامة وسقط في أيديهم فعضوا الأنامل ، وصروا بالأسنان ، وشخصت منهم الأبصار ، وكلحت